المقدمـة
تزايد مؤخرا الاهتمام برأس المال البشري كونه العمود الفقري لتحقيق التفوق، إذ لم يعد رأس المال المادي المعيار الوحيد للتفوق والتميز، إذ أصبحت الموارد البشرية المتميزة رأس المال الحقيقي للمنظمات لتحقيق التقدم على الآخرين. وبالتالي فمن الطبيعي جدا أن تصبح جودة الرعاية الصحية هاجسا لدى صناع القرار. فالعقل السليم في الجسم السليم.
تطور مفهوم جودة الرعاية الصحية ليصبح:" تقديم خدمات صحية أكثر أمانا، وأسهل منالا، وأكثر إقناعا لمقدميها، وأكثر إرضاء للمستفيدين منها بحيث تتولد في المجتمع نظرة إيجابية إلى الرعاية الصحية المقدمة".(الرحبي، 2014، 159).
يرتاد منشآت القطاع الصحي العام في الأردن أعداد كبيرة من المراجعين -وخاصة- أصحاب الدخل المحدود، أو من هم دون خط الفقر ليتلقوا الخدمات الصحية بأقل التكاليف، مما شكل ضغطا هائلا على هذا القطاع ومنشآته والعاملين فيه من مزودي الخدمة على اختلاف تخصصاتهم المهنية. وعلى الرغم من الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها الأردن خاصة بعد استقباله للاجئين السوريين على أرضه فإن وزارة الصحة الأردنية لم تتلكأ في بذل ما أمكن في سبيل تحقيق التغطية الصحية الشاملة غير متناسيين جودة هذه الرعاية وأن تكون وفق المعايير العالمية. إلا أن المشاهدات، وشكوى شرائح كبيرة من الناس من تدني جودة الخدمات المقدمة دفع الباحث للبحث عن سبل كفيلة بالمشاركة في تطوير جودة خدمات هذا القطاع الذي يعاني من نقص في الموارد المالية والبشرية، وسوء سمعة خدمة الرعاية الصحية المقدمة فيه. مما يدفعنا للسؤال: كيف نستطيع خلق رعاية صحية شاملة ذات جودة عالية في القطاع الصحي العام؟
إن مفهوم الرعاية الصحية كمفهوم الروح المعنوية، ليس موحدا ليمكننا من وضع معيار شامل يمكنك به قياسها،–وخاصة- أنها قد تحتاج وقتا قد يطول للحكم عليها بالنجاح، أو الفشل، وثمة قول شائع مفاده أن ما لا يمكنك قياسه لن تستطيع إدارته.
يتسابق الباحثون والمهتمون في هذا المجال لإيجاد المعايير لتقييم جودة الرعاية الصحية، ومن تلك المعايير التي وضعت لتحقيق ذلك الهدف: الأبعاد الستة لمعهد الطب الأمريكي (Institute Of Medicine- IOM) للحكم على مستوى جودة خدمة الرعاية الصحية وهي: الأمان، والفاعلية، والكفاءة، ودقة الوقت، والمريض مركز الرعاية، والعدالة.
لقد حاول الباحث من خلال هذه الدراسة تنزيل معايير المعهد الأمريكي للطب (IOM) على مستشفيات وزارة الصحة الأردنية للخدمات العامة في العاصمة عمان لقياس جودة الرعاية الصحية فيها، محاولا في نفس الوقت دراسة أثر مفهوم جديد من مفاهيم الإدارة الحديثة وهو إدارة المخاطر، وقياس أثر ممارساته ( إنشاء السياق العام، وتقدير المخاطر، ومعالجة المخاطر) في تحسين جودة خدمة الرعاية الصحية في تلك المستشفيات. خاصة أن إدارة المخاطر تقوم على التنبؤ والتفاعل الاستباقي بالأحداث –وبالذات السلبية منها- قبل وقوعها، ووضع الخطط الاستباقية لمعالجتها بتجنبها، أو تخفيفها، أو نقلها إلى طرف ثالث. فهي أولا وآخرا تهدف إلى تقليل حجم الخسائر، وتلافي المخاطر السريرية بأنواعها، من خلال برنامج علمي عملي تشاركي يسعى لتحديد وتعريف المخاطر الداخلية والخارجية للمستشفى لتحسين جودة الخدمة الصحية المقدمة فيه.