18 Apr
18Apr

اضغط هنا للحصول على نسخة مصورة من المقال.pdf


          أكثر ما أزعجني خلال حياتي العملية هو رؤية التعليمات البناءة حبيسة الأدراج وقاعات المحاضرات، واختفاءها حيث ينبغي لها أن تظهر، أي بعبارة قصيرة ظاهرة "الحبر على الورق".

          في بيئات الأعمال يكون صاحب العمل أو القائمون على إدارة أي بيئة عمل مطالبين –وبموجب القانون- بحماية العاملين لديهم من أي أذى، ولكي يتسنى لهم ذلك فهم ملزمون  بتحديد هوية الخطر (Hazard) التي تحف ببيئة العمل التي تحيط بموظفيهم، وتحديد مدى احتمالية تعرض هؤلاء الموظفين لهذا الخطر (Risk).

في الغالب لا تتخذ إجراءات جادة للقضاء على الخطر، أو حتى على الأقل إجراءات التحكم في حجم المخاطرة بالعمل ضمن هكذا احتمالات. ولعل الدليل على ما نقول هو عدم وجود عملية تقييم للمخاطرة بالعمل في بيئة تحفها تلك المخاطر التي تم تحديد هويتها ابتداء.

          إن من المتوقع من القائمين على إدارة العمل في بيئة عمل تعج بالآلات والمعدات أن ينظروا حولهم، وأن يتأملوا ويفكروا فيما قد يسبب الضرر للعاملين. ونحن ننتظر من هؤلاء أن يفكروا كيف يعمل الناس هنا؟ وكيف يستخدمون هذه الآلات والمعدات؟ وإن كان هناك محاليل أو أية مواد كيميائية تستخدم فمن المتوقع أن يكونوا ملمين بطبيعة هذه المواد وهذه المحاليل المستخدمة، وبالتالي وبتلقائية سيفكرون بالممارسات الآمنة، أو غير الآمنة في بيئة العمل. وسيفكرون في الحالة العامة للمبنى، وسيعملون على إيجاد سجل خاص بالحوادث التي وقعت وتقع في بيئة العمل مهما كانت صغيرة، لأنهم يفقهون –وهذا المتوقع- أن مراجعتهم لها سيساعد في تحديد هوية بعض المخاطر الأقل وضوحا، فما النار إلا من مستصغر الشرر.

          في بيئة العمل التي قضيت أكثر من نصف عمري فيها وكان جلها يقوم على عملية الإصلاح والصيانة، كنا نتعرض عشرات المرات يوميا لمخاطر شديدة عالية الاحتمالية ومع ذلك لم نكن نرى أي تحديد، أو تقييم، أو حتى سجلات حوادث. والسبب أننا دائما نعاني من ظاهرة "حبر على ورق". وعلى سبيل المثال لا الحصر، فبيئة إصلاح الأجهزة الطبية تعج بالأجهزة التي تمثل قنابل جرثومية وفايروسية متنقلة، وهذا الخطر واحتمالية انتقال هذه الجراثيم والفايروسات لمهندس الأجهزة الطبية عالية جدا، لأن المهندس في عملية تماس مباشرة مع هذه الأجهزة. ومع أن التعليمات تنص على منع إرسال الجهاز إلى القسم الفني واستلامه دون عملية تعقيم له، إلا أن هذا غالبا -إن لم يكن دائما- لا يتم، ليجد مهندس الأجهزة الطبية نفسه أمام الجهاز غير المعقم بأدواته غير المعقمة. ناهيك عن نسبة التعرض العالية، فالمهندس على تواصل مع هذه الأجهزة عدة مرات في اليوم، بل قد يجد نفسه يعيش مع هذا الجهاز أياما وليالي. وبطريقة حساب علمية تقوم على ضرب مدة التعرض بالأثر ستظهر لك احتمالية أو أرجحية الخطر التي يتعرض لها هذا المهندس. ثم يفاجأ هذا المسكين أن وظيفته ليست على قائمة المهن الخطرة في قانون الضمان الاجتماعي.

          ليس موضوعي الآن إدراج المهنة ضمن المهن الخطرة في قانون الضمان الاجتماعي، ولكن موضوعنا هو السلبيات في بيئة العمل التي لم يخصص لها فريق دائم يقوم على قياس الخطر والمخاطرة لضمان بيئة عمل مثالية لهؤلاء المهندسين الذين يخاطرون بحياتهم، وحياة عوائلهم، في بيئة عمل تعج بالمخاطر. 

أنا على يقين أن الحديث مع العمال في أي بيئة عمل سيفرز أفكارا جديدة بعضها لم يكن يخطر لك على بال.

          بمجرد تحديد هوية المخاطر عبر الاستطلاعات، وورش العمل، والمقابلات مع مديري وحدات الأعمال، وغيرها كثير، وتحديد مدى احتمالية تعرض شخص ما للأذى ومدى خطورة ذلك، فأنت فعليا قد قمت بتقييم مستوى المخاطر، وستجد نفسك قد قررت: من الذي سيتضرر؟ وكيف؟ وما يجب أن تفعله للتحكم في حجم المخاطرة؟ وهل هناك إجراءات إضافية يتعين عليك اتخاذها للتحكم في المخاطر؟ وستجد نفسك تسأل نفسك عن إمكانية تخلصك من الخطر تماما، وإن لم تتمكن من ذلك فستذهب باتجاه التحكم بالمخاطر بحيث يكون الضرر غير وارد، حتى لو احتجت –في سبيل ذلك- لإعادة تصميم الوظيفة، أو حتى استبدال المواد، أو الآلات، أو العملية. وقد تنهي المسألة برمتها بمجرد توفير معدات الحماية الشخصية والتأكد من ارتداء الجميع لها.

          ليس متوقعا من القائمين على إدارة بيئة العمل القضاء على جميع المخاطر، لكن بالمقابل فإن على عاتقهم القيام بفعل كل شيء بشكل عملي ومعقول لحماية العاملين من الضرر. وبلغة أخرى فالمطلوب هو موازنة مستوى المخاطر مع التدابير اللازمة للسيطرة على الخطر الحقيقي من حيث المال، أو الوقت، أو المتاعب. 

          إن المطلوب هو عدم الاعتماد فقط على الأعمال الورقية حيث يجب أن تكون الأولوية الرئيسية للتحكم في المخاطر عمليًا. ويجب مراجعة عناصر التحكم بالمخاطر التي تم وضعها للتأكد من أنها تعمل بالشكل المطلوب. فالتجربة قد تثبت عدم فعاليتها، أو ثمة تغييرات في مكان العمل يمكن أن تؤدي إلى مخاطر جديدة، كتغير العاملين، أو العملية نفسها، أو حتى المواد والمعدات المستخدمة. وهذا التغيير سيتبعه تحديث سجل تقييم المخاطر وبشكل تلقائي.

          التقييم الجيد للمخاطر يعني قطع شوط طويل في إنجاز خطة تدقيق داخلي قوية. وجمع المعلومات حول المخاطر من نفس بيئة العمل مهمة شاقة لكنه يساعد على إنشاء خريطة حرارية للمخاطر. والخريطة الحرارية جزء من نهج إدارة المخاطر تظهر المخاطر الرئيسية التي يمكن أن تؤثر على المنظمة، ويمكنها أن تخلص الإدارات من الكثير من التعقيدات، وتركز انتباهها على أهم التهديدات والفرص، وأسس الاستجابة لتلك للمخاطر.

          ينبغي أن يعلم الجميع أن إدارة المخاطر حتى تحقق أهدافها يجب أن يكون في داخل المنظمة لغة مشتركة، وأن تكون مصطلحات كـ "التأثير المحتمل potential impact"، و "الاحتمالية likelihood" معلومة لدى الجميع، لضمان الحضور الجماعي حين مناقشة المخاطر التي تتعرض لها بيئة العمل الداخلية والخارجية. وتعيين درجات التأثير والاحتمال هو الجزء الأكثر صعوبة في عملية رسم خرائط المخاطر.

          كل هذا وذاك لا قيمة له تذكر ما دام حبيس الأدراج، ولم يظهر عمليا في بيئات الأعمال، ولم يلمس أثره العاملون في بيئات الأعمال. ولكي يتحقق ذلك فنحن أمام عقبة تغيير قيمي مفاهيمي، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

Comments
* The email will not be published on the website.
I BUILT MY SITE FOR FREE USING