17 Apr
17Apr

كيف يجب أن تتعامل الحكومات وصانعوا السياسات مع الخطر وما يفرزه من أزمات؟

بقلم المهندس*: خالد واصف بدوان

اضغط هنا للحصول على نسخة مصورة من المقال.pdf


          أثناء بحثي عن عنوان لرسالة الماجستير خاصتي قررت اختيار موضوع "إدارة المخاطر" كأحد متغيرات البحث، وشدني لهذا النوع من الأدب حداثته، وقلة الذين طرقوه في الوطن العربي خارج موضوع البنوك والمصارف المالية، فلم أجد بحوثا تشفي الغليل تدرس أثر هذا الأدب في جودة الرعاية الصحية مثلا. وأثناء قراءاتي الطويلة والدؤوبة في هذا الأدب وقفت على مواضيع غاية في الأهمية، حفزتني لإفرادها في مقالات نافعة بين الفينة والأخرى.

          أكثر ما يرد في الذهن حين ذكر كلمة "المخاطرة" ما قد يقوله القاموس لنا: أرجحية حدوث شيء سيء. ومن الطبيعي تولد ذاك الشعور بالقلق من الخطر (Hazard)، دون أن نبذل أي مشقة في قياس حقيقة وقوع ذلك الخطر من عدمه. فالعاطفة هنا هي صاحبة السلطة الأكبر من العقل. ومتى -على الصعيد الشخصي- ما رضخنا لهذه النتيجة هان الخطب، لكن ماذا لو كان هذا الخطر والمخاطرة ستدرس من قبل القيادة العليا في المؤسسات الحكومية؟.

من الطبيعي هنا أن يتم دراسة الأمر بصورة أكثر موضوعية، وعقلانية، وسيتم الاهتمام بالأدلة، والتركيز على الحقائق، فليس للمشاعر هنا كبير بال.

          لن أبتعد كثيرا عن واقع العالم الصحي المنهمك في إيجاد حلول وبدائل تنجيه من أزمة انتشار فايروس كرونا المستجد، فالحكومات تحاول الآن صنع سياساتها حول التهديدات للصحة العامة، ومن المنطقي أن تقوم بذلك وفق ما يسمى المنهج المستند إلى المخاطرة، أو بعبارة أخرى: معرفة الأفضل وبموضوعية من خلال الحصول على جميع الحقائق.

          قد يشعر القاريء بشيء من الجاذبية تجاه هذا المنهج العقلاني القائم على المخاطرة (Risk-Based)، لكن القاري يعلم -كما أعلم يقينا- أن صانعي السياسة ليسوا آلات مجردة من أي عاطفة، وليسوا عقولا خالصة، فهم يستجيبون بطريقة أو بأخرى للعواطف العامة إذا ما أرادوا أن يديروا الأزمة بحرفية عالية. فبجوار المنهج القائم على المخاطرة (Risk-Based) هم بحاجة لاستخدام المنهج القائم على الخطر (Hazard-Based)، أي اتخاذ قرار نافذ ضد أي تهديد محتمل بمجرد وجود تلميح معقول لخطر محتمل. فنحن نعتمد على الحكومات لحمايتنا مما لا نستطيع أن نحمي أنفسنا منه كأفراد، وعندما يتخذ مديرو المخاطر القرارات فإن صحتك أوأخلاقي في خطر.

          إن ثمة مؤشرات تفرض على صانعي السياسة المنهج الذي عليها أن تستخدمه لإدارة المخاطر، وهل سيكون قائما على الخطر، أم المخاطرة؟ على النهج العقلاني أم وفق المنهج العاطفي الذي يقتضي ردة فعل مباشرة؟ فالثعبان سام وسمه قاتل لكنه محبوس في قفص زجاجي، والزائرون من حوله، فهل كثرة تعرضهم لنفس القفص يقضي بوضع خطة عقلانية لتلافي مخاطر زيارته أم خطر لدغته؟ مع كل هذه التفاصيل المهمة، يمكنك وضع سياسة مستنيرة إلى حد معقول، وقائمة على المخاطر، أو ما يسمى سياسة تستند إلى "العلم السليم  sound science".

لكن ماذا لو لم نكن نعلم مدى خطورة الأمر، وإنما هناك بعض علامات الخطر المعقولة مثل الاختبارات المعملية الأولية على مادة كيميائية، فهل نريد من الحكومة الجلوس لسنوات وهم يجمعون بقية الحقائق والأدلة قبل أن يتخذوا قرارا بحمايتنا؟.

هنا يأتي دور النهج القائم على الخطر  Hazard-Based، لتقوم الحكومة باتخاذ القرار والإجراء بمجرد ورود تلميح إلى حدوث خطر دون معرفة كامل التفاصيل، أو حتى الاهتمام بحجم التعرض لهذا الخطر، فالوقاية هنا هي الجانب الآمن، وهي أفضل من الاعتذار لاحقا.

          "تأكد أنها آمنة قبل السماح بها" عبارة يقع تحتها الكثير من أخطاء الحكومات نتيجة استخدام المنهج القائم على الخطر Hazard-Based في إدارة المخاطر. لكن بالمقابل لنا أن نتخيل أن إدارة الغذاء والدواء استخدمت هذا النهج التحوطي فحظرت كل ما يشتبه في خطورته، بالطبع سنخسر منتجات سيتبين لاحقا أنها آمنة وخاصة في قطاع الأدوية التي قد تنقذ مرضى لم يبق لهم في الحياة الوقت الطويل. بالمقابل فتطبيق المنهج العقلاني Risk-Based لن ينج من المشاكل -مع ما يتيحه من التمتع بفوائد العديد من المنتجات كالمحاصيل المعدلة وراثيا-، لكن لو تمت الموافقة على سلوكية القيادة أثناء استخدام الهاتف الخلوي قبل التعرف على جميع حقائق الخطر والتعرض، وأظهرت أبحاث لاحقة أن التلميحات المبكرة عن الخطر كانت صحيحة، فستكون النتيجة تعريض أنفسنا للأذى، بينما كان بالإمكان الانتظار لحين وصول كافة العلوم السليمة.

          إن حكومات عالمية كانت لها إخفاقات في الصحة العامة نتيجة استخدام النهج القائم على المخاطر Risk-Based مما ولد حالة عدم ثقة بين الحكومة والشعب، كانت ردة الفعل عندها أن هذه الحكومات استخدمت النهج القائم على الخطر Hazard-Based.

نحن نريد فعليا أن تتعامل الحكومات أثناء إدارتها للمخاطر بموضوعية تجاه تحليلها للأشياء. وأن يأخذوا في الحسبان التعقيدات العلمية، والشكوك، وأن يقوموا بوزن المصالح والمفاسد بميزان الذهب ليقيسوا الفوائد والأضرار والقيم العامة، ولا إشكال في استجابتهم لعواطف العامة المكثفة. ونحن نقر بعدم وجود طريقة ثابتة للتغلب على هذه الفوضى بسبب الطبيعة الذاتية "للمخاطرة" نفسها.




Comments
* The email will not be published on the website.
I BUILT MY SITE FOR FREE USING