16 Apr
16Apr

هل نحتاج منهجا غير اعتيادي في تحسين جودة الرعاية الصحية؟

بقلم المهندس*: خالد واصف بدوان

 اضغط هنا للحصول على نسخة مصورة .pdf

            

                خلال خبرتي الطويلة في القطاع الصحي العام متنقلا بين وظائف فنية وأخرى إدارية مدة ربع قرن من الزمان شاهدت وسمعت الكثير عن وضع هذا القطاع الصحي، ما بين شكوى بعض متلقي الخدمة، وشكوى بعض مزوديها، فالأول يشكو من عدم الرضا، والثاني يشكو من عدم القناعة.

            إن الهدف الرئيسي من وجود أي مستشفى هو تقديم أفضل رعاية مقابل سعر جيد، فلماذا بعد ذلك لا تكون الرعاية الصحية المقدمة في أفضل أشكالها وصورها؟

            واقع المنظمات الصحية يقول أن خدمة الرعاية الصحية قصة تجمع بين نظامين اثنين: أحدهما يعتمد على الموارد غير المحدودة للتكنولوجيا العلمية الحديثة لتجاوز المرض، والوصول بالمريض إلى بر الأمان. والثاني: يهتم بالوقت وسرعة الوصول، والتكلفة المادية التي سيبذلها المريض في سبيل وصوله إلى بر الأمان. وكما يرى الناظر إلى هذا الواقع فإن سد الفجوة بين هذين النظامين هو الترجمة الحرفية لمعنى تطوير جودة الرعاية الصحية في المنظمات الصحية سواء العامة أو الخاصة. ولعل القاريء المختص يتفق معي أن تقليص هذه الفجوة إلى الحد الأدنى يتطلب من الراعين لهذا المجال أكثر من مجرد التغيير التدريجي، بل يتطلب منا نقلة جوهرية في طريقة التفكير في الرعاية الصحية وسبل تقديمها.

            في سؤال وجهته إحدى الصحف الأمريكية العالمية حول كيفية تغيير مستقبل الطب والرعاية الصحية، اعتبر الدكتور "ستيفن شابيرو" -نائب الرئيس التنفيذي والمدير الطبي والعلمي في [1]UPMC- حالة الرعاية الصحية اليوم بأنها أفضل الأوقات وأسوأ الأوقات على حد سواء. وقصد بأفضلها التقدم في العلوم والتكنولوجيا، وأما الأسوأ فهو ارتفاع ثمن هذا التقدم. وأشار إلى أن الأمران يجب أن يسيرا جنبا إلى جنب، لافتا النظر إلى أن الجودة الأعلى غالبا ما تؤدي إلى خفض التكلفة. وأن مهمة الراعين لهذا القطاع هو معرفة الفرق. 

وأما حول تخيله لمستشفى المستقبل وما سيبدو عليه، فقد كان جوابه أن المراقبة الفسيولوجية للمرضى ستقدم لهم وهم في منازلهم، وسيبقى الأطباء على اتصال مستمر معهم، أما البناء الخراساني فسيقتصر دورهعلى المرضى الذين يحتاجون فعلا إلى وجودهم في المستشفى، لذا ستكون وحدة العناية الحثيثة كبيرة. 

وحول سؤال له عن تغيير يمكن القيام به في نظام الرعاية الصحية يكون له أثر؟ 

 كان جوابه التركيز على على أنماط الحياة الصحية باتباع نظام غذائي صحي، وعدم التدخين، وممارسة القليل من الرياضة، والحرص على فترات نوم كافية، وتعديل بعض السلوكيات، بدوره سيؤثر بشكل كبير في القضاء على غالبية الأمراض المزمنة، وتطوير النظام الصحي.

            بالنسبة إلى "أوسكار ماروكوين" دكتوراة في الطب، ورئيس التحليلات السريرية في UPMC فإن البيانات تشكل لديه حقبة جديدة من الطب التنبؤي.

            إن الاهتمام بالبيانات الضخمة التي يمكن جمعها عن المرضى له دور كبير في إعادة تشكيل أعمال الرعاية الصحية، واستخدام أدوات كالذكاء الاصطناعي لربط الطبيب بالمريض وهو في منزله وسيلة لتطوير الطب الدقيق، وتقليل أعباء الأمراض المزمنة التي مثلا تشكل 80% من التكاليف الإجمالية للرعاية الصحية في الولايات المتحدة. لكن العملية ليست سهلة، وتعترضها بعض العوائق، والتحدي اللوجستي المتمثل في تحويل كميات هائلة من البيانات الخام والمصنفة إلى أداة معرفية لتطوير العمل. فلن تنتهي المشكلة بإنتاج تطبيق يتم بعده الحصول على التوازن المطلوب بين الإنسان والآلة، لأن الأمر أكثر من مجرد تطبيق. لكن في نهاية الأمر فإن هذه البيانات ليست لتسهيل البحث، بل قد تستخدم في قضايا التعليم المستمر لرعاية المرضى. إننا أمام صناعة تعتمد على وقاية المريض وليس علاجه فقط.

            علم المناعة، أو دراسة جهاز المناعة هو من أكثر المجالات سخونة في الطب، ومصدر لبعض العلاجات الجديدة الأكثر إثارة في السرطان وأمراض المناعة الذاتية. والمستشفيات البحثية تقاتل لجعل هذا العلم أحد أولوياتها، خاصة أن التطور الذي حصل في هذا العلم جعل عمليات زرع الأعضاء تنتقل من التجارب عالية المخاطر إلى الإجراءات الروتينية. بل أوصل الأطباء لمرحلة علاج الخلايا التائية (T-cell).

 
يقول الدكتور تيم بيلير - رئيس قسم الجراحة في كلية الطب بجامعة بيتسبرغ، والمستشار العلمي في ITTC [2] إن "علم المناعة هو الخيط الذي يربط بين السرطان والأمراض المزمنة والشيخوخة". وهو ما دفع (UPMC) و (ITTC) عام 2018 لإنشاء "مركز زراعة وعلاج المناعة"، وهدف المركز لتطوير علم المناعة لخلق ابتكارات في أربعة مجالات: السرطان، الأمراض المزمنة، الشيخوخة، والزراعة. 

 

الخلاصة أن هذا الاتجاه يراه بعض الباحثين سبباً للتفكير بشكل مختلف حول مستقبل الرعاية الصحية.

 

            مضى وقت طويل ومفهوم العملية الطبية يقوم على نموذج "رعاية المرضى  sick care"، ولا ننكر أن مفهوم " الطب القائم على القيم value-based medicine" كان موجودا لبعض الوقت. لكن أصبح لزاما علينا المضي قدما نحو نموذج " رعاية جيدة well care" بحيث تكون القيمة value، والنتائج Outcomes هي الأولوية في العملية الصحية.

 

يقول "جون لي" -المدير الطبي لقسم خدمات التأمين في UPMC- "تنتقل خطتنا الصحية من دفع الرسوم مقابل الخدمة التقليدية إلى نظام يعتمد الدفع فيه على النتيجة، كخفض حالات إعادة الدخول إلى المستشفى". ولا ينكر "جون لي" في حديثه أن الرعاية الصحية المتكاملة هي لغز بحد ذاته.

 

 

[1] ) University of Pittsburgh Medical Center المركز الطبي لجامعة يتسبيرج وهو مؤسسة صحية عالمية متكاملة غير ربحية بتكلفة 20 مليار دولار، ولديها 87000 موظف، و40 مستشفى مع أكثر من 8000 سرير مرخص، و 700 موقع سريري بما في ذلك مواقع العيادات الخارجية ومكاتب الأطباء، وقسم التأمين الصحي البالغ عدد أعضائه 3.4 مليون عضو، بالإضافة إلى المشاريع التجارية والدولية.

[2] ) Immune Transplant and Therapy Center

   

Comments
* The email will not be published on the website.
I BUILT MY SITE FOR FREE USING